أخبار وطنية ”التأريخ“ليس كلام الشهود ! بقلم المؤرخ عميره عليّه الصغير
بقلم المؤرخ عميره عليّه الصغير
نكتب هذا النص رغم ما نعلمه من أنّ كلام المؤرخين لا يعني العامة كثيرا ولا اولئك الذين يريدون تفصيل التاريخ حسب رغباتهم و حسب غاياتهم ، العامّة يبحثون عن المثير و الفضائحي و النادر و أصحاب المصالح يرغبون في تفصيل التاريخ حسب تصوراتهم و ما سيبنون عليه من شرعيّة للبقاء والتمكّن السياسي او تصفية حساب مع طرف ”ميّت-حيّ“ ، طرف من التاريخ و من الحاضر.
السيدة سهام بن سدرين ومن عيّنها في رئاسة ”هيئة الحقيقة و الكرامة“ يغيّبون المؤرخين الممتهنين لأنهم يريدون ”كتابة التاريخ“ لتصفية حساب مع من يعتبرهم ”جماعة الغنوشي“ بالأساس ”أعداءًا“ عقائديين وسياسيين (الدستوريين و خاصة الحبيب بورقيبة)، والبروز بمظهر ”الضحايا“ و ”المجاهدين الدائمين“ ” من أجل ”العقيدة“ و ”الوطن“ و ”الهوية العربية الإسلامية“...
وهنا تستنجد الهيئة بشهّاد فعليين، يتحدثون عن تجربتهم. المجال لا يسمح هنا بتعداد ما يعطيه المؤرخون من قيمة للشهادة الشفوية و ما هي نسبة اضافتها لـ”الحقيقة التاريخية“ ، فقط نذكر انّ “الشهادة“ ليست هي التاريخ ، هي ”جزء من تجربة فردية لشخص“ خاضعة لكل ما يُنتقص في الذاكرة من نسيان و انتقائيّة و حذف و زيادة و غربلة وتأثّر و جهل بالكل و بالخاص ومن رغبة في الثأر من واقع او من أشخاص أو من غاية في تضخيم الذات و اكتساب دور البطولة او الضحية المطلقة.
الشهادة ضرورية للمؤرخ لكن ليست هي التاريخ. التاريخ علم له منهجيته وشروط بحثه وكتابته لا مجال هنا في التفصيل فيها. فقط نعلّق على موضوعين قدمتهما الهيئة .
الأول : في اضطهاد اليوسفيين (و نحن الذين اطلعنا على مئات الشهادات الشفوية و عشرات الآلاف من الوثائق الأخرى المكتوبة او المصورة من ارشيفات مختلفة و كتبنا في هذا المبحث) نقول أن ما قُدّم حول ”اضطهاد اليوسفيين“ من بورقيبة هو جزء من ”الحقيقة التاريخية“ و ان الاضطهاد و القتل و التآمر كان متبادلا بين الطرفين و ان من قتلهم اليوسفيون بالذبح (23 شخص ذبحوا من صف بورقيبة) هم اكثر ممن اعدمهم ”قضاء بورقيبة“ من مناصري صالح بن يوسف!! و ” على فكرة“ صالح بن يوسف لم يكن لا اسلاميا و لا قوميّا !
الموضوع الثاني : في اضطهاد جماعة الإخوان (الاتجاه الاسلامي ثم النهضة ): صحيح ان تعديات جدت على حرمة الكثيرين منهم و الكثيرين اضطُهدوا بدون وجه حق لكن ما لم يظهر في الصورة هو ما ارتكبه المنضوون لهذا التيار الاسلامي من تفجيرات و اعتداءات بالعنف و بالماء الحارق و تشليط مؤخرات النساء و وضع الخطط لقلب النظام و التسلل لأجهزة الدولة و التسلح لفرض نظام مجتمع يرونه اسلامي على عموم التونسيين...
وهل يوجد نظام في العالم لا يدافع عن وجوده بالمحاكمات و حتى بالإعدامات في دول الاستبداد و حتى في الدول الديمقراطية؟... هذا ليس تبريرا للتعسف في حق الأبرياء و لا كذلك تبرئة لحكم بورقيبة من التعديات عن الحريات و استعمال القضاء في معاقبة معارضيه السلميين.
تونس تخسر بما تقدمه هيئة بن سدرين فرصة تاريخية للكشف الفعلي و الموضوعي عمّا عرفته بلادنا من انتهاكات و ظلم ، لنفهم الواقع و نقف عند الأسباب الحقيقية لما صار و نقلب صفحة الماضي و نبني على جديد نتصالح فيه مع ماضينا ، لا ان ننصب محاكم تقاضي و تغيّب المتهمين و تنطق بالأحكام جزافا.